مصطفى صادق الرافعي

154

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

القرآن « 1 » ، فإن لم تنته بواحدة من هذه ، كأن انتهت بسكون حرف من الحروف الأخرى ، كان ذلك متابعة لصوت الجملة وتقطيع كلماتها ، ومناسبة للون المنطق بما هو أشبه وأليق بموضعه ، وعلى أن ذلك لا يكون أكثر ما أنت واجده إلا في الجمل القصار ، ولا يكون إلا بحرف قوي يستتبع القلقلة أو الصفير أو نحوهما مما هو ضروب أخرى من النظم الموسيقى . وهذه هي طريقة الاستهواء الصوتي في اللغة ، وأثرها طبيعي في كل نفس ، فهي تشبه في القرآن الكريم أن تكن صوت إعجازه الذي يخاطب به كلّ نفس تفهمه ، وكلّ نفس لا تفهمه ، ثم لا يجد من النفوس على أي حال إلا الإقرار والاستجابة ؛ ولو نزل القرآن بغيرها لكان ضربا من الكلام البليغ الذي يطمع فيه أو في أكثره ، ولما وجد فيه أثر يتعدى أهل هذه اللغة العربية إلى أهل اللغات الأخرى ، ولكنه انفرد بهذا الوجه للعجز ، فتألفت كلماته من حروف لو سقط واحد منها أو أبدل بغيره أو أقحم معه حرف آخر ، لكان ذلك خللا بيّنا ، أو ضعفا ظاهرا في نسق الوزن وجرس النغمة ، وفي حسّ السمع وذوق اللسان ، وفي انسجام العبارة وبراعة المخرج وتساند الحروف وإفضاء بعضها إلى بعض ، ولرأيت لذلك هجنة في السمع ، كالذي تنكره من كل مرئي لم تقع أجزاؤه على ترتيبها ، ولم تتفق على طبقاتها ، وخرج بعضها طولا وبعضها عرضا ، وذهب ما بقي منها إلى جهات متناكرة . ومما انفرد به القرآن وباين سائر الكلام ، أنه لا يخلق على كثرة الرد وطول التكرار ، ولا تملّ منه الإعادة ؛ وكلما أخذت فيه على وجهه الصحيح فلم تخل بأدائه ، رأيته غضا طريا ، وجديدا مونقا ، وصادفت من نفسك له نشاطا مستأنفا وحسا موفورا ، وهذا أمر يستوي في أصله العالم الذي يتذوق الحروف ويستمري تركيبها ويمعن في لذة نفسه من ذلك ، والجاهل الذي يقرأ ولا يثبت معه من الكلام إلا أصوات الحروف ، وإلا ما يميزه من أجراسها على مقدار ما يكون من صفاء حسه ورقة نفسه . وهو لعمر اللّه أمر يوسع فكر العاقل ويملأ صدر المفكر ، ولا نرى جهة تعليله ولا نصحح منه تفسيرا إلا ما قدمنا من إعجاز النظم بخصائصه الموسيقية ، وتساوق هذه الحروف على أصول مضبوطة من بلاغة النغم ، بالهمس والجهر والقلقلة والصفير والمد والغنة ونحوها ، ثم اختلاف ذلك في الآيات بسطا وإيجازا ، وابتداء وردا ، وإفرادا وتكريرا .

--> ( 1 ) وقال بعض العلماء : كثر في القرآن ختم الفواصل بحروف المد واللين وإلحاق النون ، وحكمة وجودها التمكن من التطريب بذلك ، كما قال سيبويه : إنهم ( أي العرب ) إذا ترنموا يلحقون الألف والياء والنون ، لأنهم أرادوا مد الصوت ، ويتركون ذلك إذا لم يترنموا وجاء في القرآن على أسهل موقف وأعذب مقطع ، وهذا قول ناقص ، لا يبسطه ولا يتمه إلا ما ذكرناه من تأويله .